لمفهوم جديد للاستثمار من أجل مستقبل أكثر استدامة

15 ديسمبر 2020
أحمد جلال إسماعيل الرئيس التنفيذي لشركة ماجد الفطيم العقارية

في تقريرها الصادر عن العام 2019 ذكرت الشبكة الدولية للاستثمار المؤثر أن حجم الاستثمار المؤثر في السوق العالمية بلغ 715 مليار دولار أميركي، وهو ذلك الاستثمار في مشروعات قادرة على إحداث تأثير إيجابي على المستوى الاجتماعي أو البيئي.

هذا المبلغ الضخم يعكس التوجهات المتنامية لدى الشركات والمستثمرين الذين يسعون إلى تحقيق عوائد مالية قوية لمساهميهم، وفي الوقت نفسه، بناء عالم أكثر استدامة للجميع. وكانت السنوات القليلة الماضية شهدت بداية تصاعد رغبة الشركات للدخول في مشاريع استثمارية تستجيب لعدد من التحديات الأكثر إلحاحًا في العالم وتتعلق في المقام الأول بالقضايا البيئة والتنمية الإجتماعية وترسيخ الحوكمة.

ولا شكّ أن جائحة كوفيد-19 قدمت فرصة تاريخية للشركات والمؤسسات التجارية لتثبت قدرتها على تحمل مسؤولياتها الاجتماعية وجديتها في العمل كشريكة تنموية لمجتمعاتها من أجل العمل يداً بيد لتأسيس بيئة تنموية صحية تستوعب اشتراطات نهوض وازدهار القطاع الخاص بالاستناد إلى الاستدامة والمرونة والوعي تماماً بتوجهات السوق.

وهكذا كانت فكرة الاستثمارات في الاستدامة مرتبطة دائماً بالفكرة التجارية البدائية التي تتمحور فقط حول تحقيق عوائد مجدية بشكل مجرد. وهو أسلوب لم يعد في الحقيقة مجدياً الآن، خصوصاً في ظل الظروف الحالية، لكن هذا الفكر قد تطور عما سبق، إذ نجد اليوم أن صناديق المعاشات التقاعدية والمؤسسات المالية تطالب الشركات التي تستثمر فيها أموالها بأخذ "الاستدامة" في الاعتبار وأن تدرج أداءها في ما يخص البيئة والمجتمع والحوكمة ضمن سجلات عوائد استثماراتها.

وهناك أدلة أخرى متزايدة تؤكد على الجدوى التجارية من التركيز على تنمية قدرات أفراد المجتمع والحفاظ على البيئة من أجل تحقيق الازدهار الاقتصادي على المدى الطويل. والتي يمكن تحقيقها من خلال الاستثمار في الكوادر البشرية، وكذلك تبني التقنيات والمبادرات الحديثة التي تسهم في توفير تكاليف الطاقة وتقليل الانبعاثات الكربونية والتي يمكن، على سبيل المثال، تطبيقها في المنشآت التجارية ومرافق الضيافة والفنادق وغيرها، سواء تلك القائمة فعلياً أو التي يتم بناؤها حديثاً. إن القائمة على تلك الأمثلة طويلة. ولكن وباختصار يعد الاستثمار في البيئة والمجتمع والحوكمة بمثابة صفقة مربحة للجميع.

 

البيئة والمجتمع والحوكمة المؤسسية وصناعة القيمة

يبدو أن المؤسسات سواء كانت كبيرة أو صغيرة جميعها تسعى إلى تحقيق هدف واحد وهو أن تنجح في عبور هذه الفترة الاستثنائية. ولكن بعيدًا عن مجرد تحقيق النجاح التجاري وعبور تلك الفترة الصعبة، يتوجب أيضاً على الشركات أن تخطط على المدى الطويل للعودة إلى منحنى النمو. وقد أكد تقرير صادر عن الخبير العقاري "نايت فرانك" في العام 2019 أن هناك أدلة قوية على أن المستثمرين يتطلعون بشكل متزايد إلى توظيف رؤوس أموالهم في المباني المستدامة الموفرة للطاقة. وفي حين أن تنفيذ تلك التقنيات الحديثة، والتي غالبًا ما تكون معقدة، يتطلب استثمارات ربما تكون مكلفة إلى حد ما، إلا أن هذه الاستثمارات تقابلها زيادة في الدخل الإيجاري وانخفاض تكاليف التشغيل.

وتعد الفنادق ومنشآت الضيافة التابعة لشركة "ماجد الفطيم" في دولة الإمارات خير مثالاً على ذلك: فقد شرعنا مع شركة سيمنز وشركة إدارة المرافق "إنوفا" - وهي مشروع مشترك بين فيولا وماجد الفطيم - في تطبيق إجراءات لترشيد استهلاك الطاقة في 13 فندقًا. وفي حين أن تكلفة هذا الاستثمار قد بلغت 22,5 مليون درهم إماراتي، فإن هذه الإجراءات ستؤدي في نهاية المطاف إلى تسجيل وفورات مضمونة على أساس سنوي تصل قيمتها إلى 5,5 مليون درهم إماراتي، ومع فترة استرداد تزيد قليلاً عن أربع سنوات.

وعبر هذا المشروع، تمكن 13 من فنادق ماجد الفطيم من الحصول على شهادة "الكرة الأرضية الخضراء" والتي تعد أعلى تكريم ومعيار للاستدامة في قطاع السياحة، فضلاً عن أنها تؤهلنا أيضاً للحصول على شهادة LEED البلاتينية. ونظرًا لأن المرافق والمنشآت تمثل أحد أكبر التكاليف التشغيلية بالنسبة للأصول العقارية، فإن تعزيز الكفاءة سيكون له أثره المالي المباشر على المدى الطويل سواء كان ذلك على مستوى العوائد التي يدرها الأصل أو قيمته. وعلاوة على ذلك، فإن العقارات الحاصلة على شهادات اعتماد مثل LEED تتمتع بمميزات إضافية إيجابية حيث تعد بمثابة طمأنة لكل من المستثمرين والمستأجرين وبالتالي تقليل تصورات المخاطر الخاصة بالتزامهم تجاه تلك المنشآت.

 

تمويل من أجل البيئة

لقد أصبحت "الاستثمارات في الاستدامة" واقعاً ملموساً، ويتضح ذلك عندما ننظر إلى التحول الذي طرأ على القطاع المالي وتوجهاته الصاعدة نحو إصدار السندات الخضراء والأدوات المالية المماثلة لتمويل الاستثمارات المرتبطة بالبيئية والمجتمع والحوكمة المؤسسية. وبالنسبة إلى العام 2019، فقد وصلت قيمة إصدار السندات الخضراء إلى 255 مليار دولار أميركي على مستوى العالم، وفي مقدمته الولايات المتحدة والصين وفرنسا. وأكدت الرئيسة الجديدة للبنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، على التزامها بمكافحة تغير المناخ ودراسة التغييرات الخضراء في أنشطة البنك المركزي الأوروبي، بما في ذلك برنامج شراء الأصول البالغ قيمته 2,8 تريليون يورو.

 

وبغض النظر، فقد كان البروفيسور كلاوس شواب قد أطلق على عملية التعافي من آثار الجائحة اسم "إعادة الضبط العظيم"، وتصاعدت الدعوات للشروع في "إعادة البناء بشكل أفضل". حيث يتوجب اليوم على الاستثمارات الاستراتيجية في البيئة والمجتمع والحوكمة المؤسسية تقديم نفسها كركيزة أساسية لهذه الدعوات. ومن أجل "إعادة الضبط"، يجب على مجموعات متكاملة من الأطراف المعنية والمستثمرين والشركات والحكومات والمؤسسات المالية والمستهلكين العمل معاً بشكل منسق وتوافقي لإنشاء نظام بيئي شامل نستثمر من خلاله في مستقبل أنظف وأكثر استدامة. ولكن يتوجب علينا الأخذ بعين الاعتبار أن ذلك سيحتاج إلى استثمارات ضخمة وقوة ناعمة تسانده. ولكن من خلال العمل معًا واغتنام الفرص التي تتوفر لنا، فإننا لن نتمكن فقط من تأسيس مستقبل أكثر استدامة، ولكن أيضًا سنتمكن من إطلاق العنان لصناعة قيمة كبيرة وطويلة الأجل لقطاع الأعمال والمجتمع.

 

تم نشر هذه المقالة لأول مرة في Awalan

 
X