الاقتصاد المصري: الفرص الاستراتيجية فى ظل تداعيات الوباء العالمى

05 يونيو 2020
أحمد جلال إسماعيل الرئيس التنفيذي لشركه ماجد الفطيم العقارية

تعتبر مصر من أقوى قصص التحوّل الاقتصادى فى المنطقة. فقد بدأت خلال الفترة الماضية تخطى ما تواجهه من التحديات التى فرضتها واحدة من أصعب الفترات فى تاريخها، مدعومة ببرنامج إصلاح اقتصادى طموح وتركيبة سكانية فريدة واستقرار معدلات التضخم، الأمر الذى أسهم فى تعزيز أداء اقتصادها، إلى أن سجلت نموًّا فى الناتج المحلى الإجمالى بنسبة %5.6 خلال العام المالى الماضي. وكغيرها من الاقتصادات

تعتبر مصر من أقوى قصص التحوّل الاقتصادى فى المنطقة. فقد بدأت خلال الفترة الماضية تخطى ما تواجهه من التحديات التى فرضتها واحدة من أصعب الفترات فى تاريخها، مدعومة ببرنامج إصلاح اقتصادى طموح وتركيبة سكانية فريدة واستقرار معدلات التضخم، الأمر الذى أسهم فى تعزيز أداء اقتصادها، إلى أن سجلت نموًّا فى الناتج المحلى الإجمالى بنسبة %5.6 خلال العام المالى الماضي. وكغيرها من الاقتصادات حول العالم، أدى تفشى وباء «كوفيد- 19» إلى خفض مستوى توقعات النمو الاقتصادى فى البلاد. فالوباء باعتباره أزمة إنسانية بحاجة إلى تضافر الجهود والتعاون من أجل توفير سبل عيش ملائمة للمجتمع. يأتى ذلك فى الوقت الذى تُجرى فيه مصر محادثات مع مؤسسات مالية دولية، حصلت بموجبها مؤخراً على تمويل طارئ لدعم اقتصادها من آثار انتشار هذا الوباء، كما تعمل بالتنسيق مع القطاع الخاص فى مجال التوظيف والضرائب وتقديم القروض بفوائد منخفضة. وتواجه العديد من القطاعات الاقتصادية المصرية، وعلى رأسها قطاع السياحة تحديات فى النمو على المدى القريب، فما الذى يمكن أن تفعله مصر للمحافظة على مكتسباتها الأخيرة واستعادة مسار نموها؟ برأيي، هناك ثلاث مجالات رئيسية يمكن أن تحقق نتائج مؤثرة لاستعادة النمو. البنية التحتية – كأحد الأصول الثمينة أكد البنك الدولى فى تقريره لعام 2018 أن خطط الإصلاح فى مصر قد أثمرت عن فرص لجذب المزيد من الاستثمارات فى مجال البنية التحتية الخاصة، ومن ثم إعادة توجيه الإنفاق العام إلى أولويات أخرى كالصحة والتعليم. ينبغى أن يكون تحقيق العوائد المالية والاستراتيجية من البنية التحتية العامة فى مصر بنداً أساسياً على جدول أعمال الحكومة خلال فترة التعافى من الوباء وبالتعاون مع المؤسسات الدولية التنموية الداعمة للاستثمار فى البنى التحتية . وأودّ الإشارة هنا إلى أن جنى ثمار البنية التحتية لا يقتصر على بيع حصص للقطاع الخاص. فلطالما استفادت الاقتصادات الناشئة صاحبة المرافق العامة الضخمة من كفاءة وانضباط القطاع الخاص. ومع الأخذ فى الاعتبار جاذبية أصول البنية التحتية للمستثمرين بفضل عوائدها الثابتة، خصوصا فى سوق محلية كبيرة ومتنامية كالسوق المصرية . إن استقطاب مستثمرين من ذوى الخبرة والسجل الحافل فى مشروعات البنية التحتية، سيكون أمراً حيوياً عند التوسع فى منظومة النقل وتحديث شبكات الكهرباء وتحسين خدمات الصرف الصحى والمياه. ويمكن لصندوق مصر السيادى أن يلعب دوراً رئيسياً لتأمين الاستثمارات فى مجالات البنية التحتية المختلفة، كما أعلن عن خططه لبيع حصة أغلبية فى امتياز لتشغيل ثلاث محطات كهرباء. وهذا مثال على أهمية تشجيع هذه الاستثمارات التى تجسد تحالف رأس المال الخاص والعام لصالح النمو الاقتصادى والاجتماعي. إعادة التوازن لسلاسل الإمداد يعد «توازن سلسلة التوريد» فى الأسواق العالمية ثانى أبرز المجالات التى يمكن لمصر الاستفادة منها لتعزيز تنافسيتها. فقد كشف الوباء عن وجود نقاط ضعف فى سلاسل الإمداد العالمية بما يهدد العولمة، وإعادة توجيه التركيز نحو الأنظمة المحلية والإقليمية. وهناك عدة طرق يمكن من خلالها «إعادة توازن أنظمة سلاسل الإمداد»، مثل التركيز على السوق المحلية وتعزيز أنظمة الزراعة المدعومة بتوافر سوق استهلاكية محلية وإقليمية. خصوصًا بتبنى التقنيات الزراعية الجديدة، مثل الزراعة المائية والتوسع فى عمليات التوزيع المستدامة. وفى دولة الإمارات، على سبيل المثال، تعمل «ماجد الفطيم» مع الجهات الحكومية لتنفيذ مبادرة لإنشاء شبكة تضم 6 آلاف مزارع محلى لضمان إمدادات مستدامة من المنتجات الطازجة، مما يساهم فى توفير فرص عمل، وفتح قنوات توزيع جديدة داخل الدولة وخارجها. الطريق الثانى الذى أؤيده هو خلق سلاسل إمداد جديدة والتوسع فى قدرات التصنيع المحلية بالتعاون مع الشركات العالمية، بما فيها الصينية ذات الخبرة. فهذه الشراكات ممكنه اليوم بفضل علاقات مصر المتميزة مع الصين وأوروبا وبفضل موقعها الاستراتيجى فى ظل احتياج المنتجين لتنويع مصادر الإنتاج وتقليص خطوط الإمداد. وتنتج مصر بالفعل مجموعة واسعة من المنتجات الزراعية والأدوية وغيرها. وفى ظل ما تقدمه الحكومة من محفزات للاستثمار، وبالتعاون مع الشركات العالمية، يمكن التوسع فى الطاقة الإنتاجية لبناء سلاسل إمداد جديدة مرنة تغطى المنطقة وتحقق طفرة صناعية. قيمه الكادر البشرى المصرى فى نظم التعهيد الحديثة توفر الكوادر الشابة فى مصر من أصحاب المهارات التكنولوجية والمستوى التعليمى الجيد يعتبر ميزة تنافسية كبرى فى ظل الحاجة المُلّحة للشركات والمؤسسات الإقليمية لتقليل النفقات من جهة، وتسريع وتيرة التحول الرقمى فى الوقت نفسه، مما يخلق فرصه كبيرة لسوق العمل والتعهيد المصرى ليصبح مركزاً إقليمياً للتمهيد الحديث ومن ثم لتحقيق التوازن الاقتصادى فى ظل تفشى الوباء. وبالإضافة إلى ذلك، تمتلك مصر كوادر ذات كفاءة وبيئة محفزة لريادة الأعمال، وهى العوامل التى تقدم قيمة مضافة تستفيد منها عمليات التعهيد فى مجال الرقمنة وتحليلات البيانات، والتى أثبتتا أهميتها خصوصاً فى ظل هذه الظروف. وتتيح اللغة العربية كلغة أصلية للعمالة المصرية التواصل بشكل طبيعى مع أكثر من 300 مليون شخص من الناطقين باللغة العربية فى العالم العربي. وذلك فضلاً عن موقع مصر المتميز، الذى يجعلها محور جذب لعمليات التعهيد للمستثمرين الأجانب كما فعلت شركة فودافون العالمية مؤخراً. التطلع نحو المستقبل لقد تحركت الحكومة المصرية بشكل استباقى فى مساعيها من أجل المحافظة على سلامة وصحة المجتمع فى فترة تفشى الوباء. ومن خلال التركيز على المزايا الاقتصادية الطبيعية والفرص الهيكلية الناتجة عن جائحة كورونا، يتعين على مصر العمل على الاستفادة منها وبسرعة من أجل تنمية البنية التحتية وتسريع الاستهلاك المحلى وتعظيم الصادرات الإنتاجية والبشرية والرقمية، مما يعزز شبكة الأمان للشركات على اختلاف أحجامها والمواطنين. وفى ظل الظروف الراهنة تعد شبكة الأمان هذه تجسيداً للعقد الاجتماعى بين الدولة والمواطن. فقد أصبحت الأساس للنمو الذى سيمكّن البلاد من تحقيق التنمية خلال هذه الفترة.

تم نشر هذه المقالة لأول مرة في almalnews.com

 
X